السيد محمد الكثيري
47
السلفية بين أهل السنة والإمامية
أخذوا بعدهم في بث ما عندهم من الأساطير ، بين من تروج عليهم ، ممن لم يتهذب بالعلم من أعراب الرواة وبسطاء مواليهم . فتلقفوها منهم ورددها الآخرون بسلامة باطن ، معتقدين ما في أخبارهم جانب الله من التجسيم والتشبيه ، ومستأنسين بما كانوا عليه من الاعتقاد في جاهليتهم ، وقد يرفعونها افتراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو خطأ ، فأخذ التشبيه يتسرب إلى معتقدات الطوائف ويشيع شيوع الفاحشة ( 43 ) . وهنا نشأ الحشو ( 44 ) ، وترعرع ونما ، حيث تم إدخال الكثير من عقائد أهل الكتاب خاصة ، إلى الإسلام عن طريق الحديث النبوي ، وتلقفها بسطاء الرواة وغيرهم على أنها عقائد الإسلام جاءت على لسان الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم . وإذا عرفنا أن هذه الحركة كانت ملازمة لظهور الفتن السياسية في المجتمع الإسلامي الناشئ ، وانتصار الأمويين في نهاية المطاف ، وتسلمهم لسدة الحكم . يتبين لنا مدى انتشار هذه الظاهرة وتغلغلها في تفكير المسلمين آنذاك . وملوك بني أمية بدءا من معاوية بن أبي سفيان وإلى آخرهم ( 45 ) ، لم يولوا أي اهتمام للدفاع عن عقائد المسلمين ، أو محاولة الوقوف أمام خصومها من يهود ونصارى ، فما كان يهم بني أمية هو الجانب السياسي ، وتثبيت الملك العضوض بأي وسيلة ، بل كان فسح المجال لأحبار اليهود والنصارى وغيرهم من دعاة الملل والنحل السالفة ، إحدى الوسائل التي ركبها ملوك بني أمية لتوطيد ملكهم . فتزعموا القول بالجبر وشجعوا الأعراب من الرواة على التحديث بذلك ، فاختلق هؤلاء من الأحاديث والروايات التي نسبوها للرسول ( ص ) الشئ الكثير . سيكون فيما بعد معتمد الحشوية من أهل
--> ( 43 ) ابن عساكر ، تبيين كذب المفتري ، مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري ، ص 10 . ( 44 ) نشأة الفكر الفلسفي ، مرجع سابق ، ص 286 . ( 45 ) إلا ما كان من فعل عمر بن عبد العزيز الذي أمر بتدوين السنة وأوقف لعن الإمام علي على المنابر وأرجع فدك " نحلة فاطمة " إلى بنيها .